ظاهرة التّسليك

كثيراً ما نسمع مصطلح ” التّسليك ” يتردّد في حوارات الشّباب بالآونة الأخيرة ، و تحديداً بين أفراد جيل Z . قد أصبح هذا اللّفظ جزءاً لا يتجزّأ من قاموسهم اليوميّ للتّعبير عن ردود أفعالهم. وفي هذه المدونة، نسلّط الضّوء على هذا المصطلح وهذه الظاهرة. الجذر اللّغويّ لهذه الكلمة هو: سَلَكَ، و معناه الأصليّ لا يشبه معناه المعاصر بتاتاً، بلْ تمَّ استعارته ليصبح معناه تسهيل الامور و تمريرها دون تدقيق أو اهتمام بالتّفاصيل. يقول أحد الشّبّان: أنا أسلّك لفلان أي – أنا أجاريه بكلمات مختصرة و لا أناقشه لأنّه لا فائدة من ذلك. – أنا أسمعك و بالواقع العكس  – أنا أزيل الحرج عن نفسي. 

لم تكن هذه المفردة مطروقة، ولم يستخدمها هذا الجيل عن عبث بلْ لها دلالات حسّية وحركية تناسبهم، مرنة، دبلوماسيّة ومختصرة . فلها أصول من العبور والسّلوك أي إزالة العوائق / تسليك الأنابيب / فكّ الخيوط المتشابكة.

فالمحادثة المملّة هي عائق في التّدفق اليومي و التّسليك هو الاداة الأسلس. فالتّسليك يقع تماماً بين المجاملة و التّطنيش و في ذات الوقت بعيد كلّ البعد عن كلّ واحدة منها. فالمجاملة هي لطف إجتماعيّ نابع من حبّ و اهتمام بينما التسليك يختلف عن هذه النّيّة تماماً فهو الابن المشوّه للمجاملة. أمّا التطنيش هو التّجاهل الصّريح التّامّ بالمقابل التّسليك يعطي انطباع وهميّ بالاهتمام. هذا المصطلح خرج من المجتمع العربيّ و تحديداً اللّهجات الخليجيّة، الشّاميّة و المصريّة . هذا السّلوك البشريّ وليد التّطوّر العفويّ بينما جيل Z هو من أعطاه هذا القالب ، فكانت الشّعوب القديمة تسمّيه : المدارة ، المجاراة و المسايرة . فكم من شخص لم يعجبه كلام زعيم القبيلة و هزّ برأسه موافقاً للكلام ظاهريّاً ، فهكذا كان يتجلّى في حياة القدامى . كان التّسليك مجرّد سلوك عابر قديماً تحوّل لعادة اجتماعيّة متجذّرة و يوميّة في وقتنا الحاليّ، فما الأسباب للّجوء لهذا الأسلوب ؟! 

لأنّ العصر الحاليّ هو عصر السّرعة الفائقة، قد تعوّدت عقولنا على الفيديوهات القصيرة الّتي لا تتجاوز الـ 15 ثانية و الرّسائل الصّوتيّة المسرّعة، ممّا يجعل العقل البشريّ يرفض النّقاشات الطّويلة و التّفاصيل الصّغيرة و يملّ بسرعة، من منّا بهذا العصر يحدّث أحداً ما و هو متفرّغ كليّاً. وهو أيضاً حلّ للهروب من الصّرعات و الجدالات و النّقاش العقيم الذي لا يوصل إلى برّ. ولكن جوهر المشكلة الحقيقيّة أنّه بهذا الأسلوب بعدٌ تامّ عن العفويّة و الصّدق و هذا ما يبعد الإنسان يوماً بعد يوم عن حقيقته، ويوقعه في فخّ التّصنّع الرقميّ. فالعفويّة و الصّدق هي أنّ تضحك حين تشاء و ان تقول لا في حال أنّك لا تريد أو ترغب. 

بينما التّسليك هو أنّ تضحك حين لا تريد و تقول نعم وأنت لا تريد!!! فكلّ ما أكثر البشر من هذا السّلوك كلّ ما أصبحوا بلا مشاعر وحيدين معزولين وسط الزّحام. كفى استخداماً لهذا المصطلح القميء بنظري ، توقفوا عن طلب هذا الفعل الشّنيع من الإنسان النّقي بقولكم: لك سلّك دخيلك. الّتي تعني خبّي مشاعرك و اسكت! هذا هو الكذب بعينه لكنّه يرتدي ثوباً أكثر أناقة.

لا أريد أنّ تسلّك لي أو أن تتصنّع أو أن تضحك على نكتة سخيفة، والسّبب كي لا تحرجني! 

حررّوا مشاعركم و لا تقيّدوها بقفص، هي حياةٌ واحدة . أنت تحرق روحك و تجهد نفسك في كلّ مرة تضغط على نفسك كي تسلّك. 

بانة محمّد أحمد