قَوارير

بينما تتحدّث المجتمعات العربية والغربية عن بناء المجتمع وضرورة تمكينه أكاديميًا وفكريًا، وتصبّ معظم طاقاتها وأفكارها في سبيل اللحاق بالثقافة الغربية التي تتعارض بشكل كبير وواضح مع القيم العربية التي نشأنا وفُطرنا عليها، تُهمَّش أكبر شخصية في المجتمع وأهمّها، وتُطمَس هويتها وتُنتزَع فطرتها بأفكار نسوية تُسهم في زيادة أعباء الأنثى، وتحميلها ما لا طاقة لها به، وما لم يُفرَض عليها شرعًا ولا قانونًا!

فعلى مرّ العصور والقرون الطويلة، كان للمرأة عزّتها ومكانتها الاجتماعية والثقافية التي استطاعت من خلالها أن تقدّم أفضل ما لديها، وأن تتفوّق على رجال زمنها فكريًا وعمليًا على أرض الواقع؛ بدءًا بالسيدة خديجة بنت خويلد، التي وقفت سندًا للنبي، عليه الصلاة والسلام، وكانت بمثابة جيش جرّار يحرس دعوته ويؤازره ماديًا ومعنويًا، ومرورًا بزنوبيا، ملكة تدمر، التي وسّعت نفوذ مملكتها في القرن الثالث الميلادي، وقادت مشروعًا سياسيًا وعسكريًا تحدّى روما، وبغيرترود بيل، المستكشفة وعالمة الآثار والكاتبة والدبلوماسية البريطانية، التي كان لها دور سياسي بارز في العراق في بدايات القرن العشرين، ووصولًا إلى سيدات عصرنا اللواتي لا عدّ لهنّ ولا حصر.

ويظهر لنا جليًّا أن الأنثى لم تكن فردًا هامشيًا في مجتمعها؛ فقد كانت، في محطات كثيرة، ممّن أسهمن في بناء مجتمعاتهنّ وغيّرن مجرى التاريخ.

وإن كان لما ذكرناه أهمية كبيرة، فإن ذلك لا ينفي أهمية دورها الذي فُطرت وخُلقت لأجله، ولا يقلّل من شأنه، وهو الإنجاب والتربية القويمة والاعتناء بصغارها؛ فذلك ما يُشبع غريزتها ويعيدها إلى أساس الفطرة. فكم من والدة ثبتت وصمدت في وجه الفقد والموت، وكم من زوجة حال الأجل بينها وبين زوجها، فما لبثت أن تحمّلت المسؤولية ووقفت في وجه عتوّ الرياح، وكم من أخت كانت سندًا وعضدًا لأخيها المرابط على الثغور والحدود، وكم من ابنة حملت هموم الأمة، وحافظت على قيم تربيتها وصانت عفّتها، ورفعت اسم بلادها عاليًا بالعلم والأدب!

إذًا، لا تتعارض القيم السامية مع الشرع والفطرة، فلِمَ نرضخ للسياسات الخارجية ونتّبع أهواءها، لنقتلع تلك الزهرات اليانعة من تربتها الخصبة، ونودعها أرضًا بورًا جدباء لا يُرجى منها ثمر ولا شجر؟

ومن هنا، يتعيّن على الآباء الأسوياء وذوي الألباب أن يسهموا في تنشئة الأمة بعنايتهم بالأنثى ورعايتهم لها، دون تكلّف أو تعسّف؛ لنحظى بمدارس عظام وهامات كبرى لا يشوبها الجهل، ولا تتمكّن منها الأيدي المجحفة. ولا تقتصر رعاية الفتيات هنا على تأمين مقوّمات العيش الرغيد أو الإمكانات التعليمية؛ فهي تستلزم أيضًا الدعم العاطفي، والاستماع الجيّد إلى مقترحاتهنّ وشكاواهنّ، والاهتمام بجوانب التربية والتعليم، والتزكية والنماء، والعمل والتأثير؛ فلربما كانت إحداهنّ صانعة التاريخ غدًا.

ونلتمس من الرجال الكرماء أن يشدّوا على أيدي قواريرهم، وأن يستوصوا بهنّ خيرًا، امتثالًا لأمر خير البرية. فوالدتك التي تحيطك بدعواتها الصادقة، وزوجتك التي تقاسمك مشقّات الحياة، وأختك التي تستند إلى كتفك بكلّيتها، وابنتك الصغيرة التي ترى الدنيا بعينيها، جميعهنّ درر ثمينة وُضعت بين يديك أمانةً، وأنت جدير برعايتها وصقلها.

سدرة المنتهى قيّاس