فنجان قهوة مع البديري الحلاق

في جولتي الصباحية في أزقة الشام العتيقة، حيث أدقق وأركز في كل تفصيل مهما بدا صغيرا، لدرجة أن بعض المارة يطيلون التحديق بي مستغربين من حركاتي وسكناتي في كل حي وزقاق، هذه المرة اصطدمت بشخص يبدو أنه يتفوق علي في دقة الملاحظة والنبش في ما تزخر به الشام القديمة من مقومات نابضة بالحب والحنين لأزمنة غابرة، كنت شخصيا أتوق لمعاينتها أو بالأحرى ملامستها عن قرب.

لكن من هذا الرجل الدمشقي الذي يبدو وكأنه تسلل من كتب التاريخ، أو أنه أقرب لشخصية تلفزيونية من مسلسلات البيئة الشامية (رحم الله بسام الملا)…

هل يصورون عملاً جديداً في هذه الأثناء؟ أين الكاميرا والكادر الفني إذن؟

اقتربت منه وسألته:

  • هل أنت خارج كادر التصوير الآن؟ وهل صرخ المخرج وأعلن “كات” كي أتمكن من الحديث إليك؟
  • لا أفهم ما تقول أيها الأخ.
  • يبدو أنك منسجم مع الدور وتقمصت الشخصية ببراعة.
  • ماذا تريد أيها الأخ؟ وتحدث كلاما مفهوما لو سمحت.
  • هل أنت ممثل؟
  • ماذا؟ مشخصاتي يعني؟ أعوذ بالله!
  • يبدو أن هناك سوء تفاهم بيننا… هل تبحث عن شيء معين؟
  • نعم، أنا اسمي البديري الحلاق، وأبحث عن دكاني الذي كان هنا قرب قصر أسعد باشا العظم في حي الميدان.
  • ماذا تقول يا رجل؟
  • هل قلت ما يزعجك يا أخي؟
  • أنت إذن صاحب كتاب “حوادث دمشق اليومية”، التحفة التي ألهمت الكثيرين للكتابة عن تاريخ الشام ووثقت جزءا ليس باليسير من أحداثها.
  • ما زلت أجهل كلامك كثيرا… اعذرني.

دعوته إلى فنجان قهوة صباحي على أنغام “كيفك إنت” للسيدة فيروز، وحاولت أن أشرح له الفرق الزمني الشاسع بين أيامه والعصر الحالي، وما مرت به الشام طوال فترات زمنية خلت من مآسٍ وكوارث وانتصارات وطغاة وأبطال وتضحيات جسام، وكيف أنه أصبح نجما ينافس الممثلين المشهورين، والكل يدين له بالفضل الكبير من كتاب ومخرجين وفنانين بسبب كتابه ومخطوطه القيم النفيس الذي وثق يوميات الشام. لكنه أرغى وأزبد وزمجر بي حين شاهد بعض مقاطع “باب الحارة”، وتبرأ من مصطلحات سوقية استخدمت فيها، وتنكر لعدة شخصيات اعتبرها مسيئة للمرأة السورية.

بذلت مجهودا جبارا كي يهدأ، لأنه يخشى أن تنسب كوارث المسلسلات الشامية له ويلعنه الناس، وهو لا ناقة له ولا جمل في كل ما حدث. وبعد فترة هدوء نسبي، حيث سرح بباله لدقائق قبل أن يعود بلهجة حادة:

  • من الذي أوصل مخطوطي ويومياتي لكم في هذا العصر؟ من تسلل لدكاني ونبش أغراضي إذن؟
  • الأمر ليس كذلك يا أستاذ.
  • أستاذ؟ لست كذلك… أنا حلاق وأفتخر بمهنتي وكاري الذي برعت فيه.
  • حسنا، آسف. الحقيقة أن ما كتبته ظل ضائعا لفترة تناهز القرن ونصف، ثم وصلت بطريقة غير معروفة إلى مكتب الشيخ طاهر الجزائري، حيث استعار منه الشيخ محمد القاسمي المخطوط وقام بتنقيحه ونشره بعنوان جديد هو “حوادث دمشق اليومية” في عام 1378 هجري الموافق 1959 ميلادي، ونشر أحمد عزت عبد الكريم طبعة جديدة بعد دراسة النسخة الأصلية ونسخة الشيخ القاسمي السالف الذكر.
  • لكن النسخة التي أطلعتني عليها تبدو محرفة ومشوهة وفيها أشياء لم أذكرها قط ولم أرها بأم العين، فأنا وثقت ما عرفت وما سمعت لفترة 21 عاما وتحديدا من 1741 حتى 1762، فلماذا تجنون على جهدي بل وتنسبون إليّ أشياء غير صحيحة وهي محض افتراء؟
  • أتفق معك بشدة، لكن كل هذا دليل واضح على نجاحك، والكل يتسابق ويتهافت للنهل من عملك العظيم والعظمة لله سبحانه. يا رجل، أنت تنافس ابن عساكر (1105-1176) في توثيق تاريخ مدينة بعراقة دمشق… هذا شرف ما بعده شرف.

عاد شهاب الدين أحمد بن بدير كي يسرح مجددا متأملا الأفق البعيد، ولا يبدو سعيدا بكل ما وصله مني من شهرة ونجاح منقطع النظير، ظل كأنه يبحث عن دكانه وأصدقائه وحارته القديمة غير مكترث ولا آبه بمغريات العصر الحالي. وحين فاتحته بموضوع إعلان خبر زيارته، وكيف سيتهافت الإعلام التقليدي والحديث حوله لمحاورته وسيصبح ثريا في رمشة عين، سخر مني قائلا:

  • شكرا على فنجان القهوة. يا ليتني لم أعد لأرى ما رأيته… كفاكم افتراء على الناس يا رجل… ترى كم من شخص آخر غيري تلاعبتم بمجهوده وفق أهوائكم ومصالحكم تحت عنوان عريض ومخادع وهو التكريم والتوثيق؟
    سأطل على نهر بردى وأرتوي من مائه العذب وأعود حيث كنت…
    وداعا…

العودة للواقع:

هكذا تخيلت اللقاء مع شخصية “البديري الحلاق” التي تم اختزالها ضمن خانة محددة وهي مسلسلات البيئة الشامية، لكن عمله كان أكبر، ودوره التوثيقي بعدسته المتواضعة ونظرته الفطرية للأحداث الجسام التي شهدتها الشام في تلك الحقبة يستحق تقديرا وإشادة أوسع، وأيضا دراسة وتمحيصا أدق، بعيدا عن النظرة السطحية لكتابه الذي لم يسلم من التلاعب والتحريف خدمة لأجندة معينة وحرصا مشينا على طمس بعض الحقائق التي تمس الصورة الحقيقية لبعض الشخصيات والجهات التي تنتمي إليها وهي من تهوى التقديس والتبجيل.

لم نحاول البحث عن إجابات هذه الشخصية من فراغ، بل لأن مقص التشويه كان وسيظل يجز عنق الحقائق في كل العصور، ونحن نرى اليوم بأم العين استمرار مسلسل التزييف في وضح النهار.

والحبل على الجرار…

  • عادل العوفي