الشّوق أقسى من الشّوك!

ما هو الشّوق؟ لماذا نشتاق؟ لمن نشتاق؟ كيف يعترينا هذا الشّعور؟ ما مدى الألم المرافق؟ الحسرة المحبوسة؟
سنناقش في مقالنا هذا كلّ الأسئلة وسنتعمّق فيها.
لنبدأ بالجانب العقليّ المنطقيّ الّذي فسّره العلماء. بدايةً، لندرك أنّ الدّماغ والهرمونات هما المجرمان هنا. جميعنا نعرف أنّ هرمون الدّوبامين هو هرمون السّعادة، وأنّ الأوكسيتوسين هو هرمون الارتباط والتّعلّق بمن نحبّ.

الجريمة الّتي تقع عند الفراق أو الابتعاد عمّن نحبّ أنّ الدّماغ يطلب جرعة من الهرمونين، وتنطلق إشارة كهربائيّة بسرعة البرق إلى المنطقة السّقفيّة البطنيّة، مما يجبر الحويصلات على إطلاق ناقل الدّوبامين بالفراغ المشبكيّ المتّصل بالنّواة المتّكئة (مركز الرّغبة والإدمان)، بالإضافة إلى انخفاض إطلاق الأوكسيتوسين بشكل حادّ، مما يزيد نشاط اللّوزة الدّماغيّة (مركز الخوف والتّهديد)، فتبدأ بإرسال سيّالات عصبيّة تحفّز الجهاز العصبيّ الوديّ.

والجزء الأقسى في هذه الجريمة هو حلقة التّغذية الرّاجعة من الحصين: عندما نفتقد الشّخص يرسل الـVTA (مركز الرّغبة والطّلب) إشارة للحصين، ويطلب منه شيئاً يخصّ الشّخص يجعله يرتاح، فالحصين يستجيب فوراً ويفتح ملفّاً قديماً، نذكر عندها ابتسامةً أو عطراً أو شيئاً بسيطاً، وحالما ننتهي من الشيء البسيط وترتسم الصّورة بالدّماغ، يفرز كميّة قليلة من الدّوبامين، وهنا تُفتح الشّهيّة ويُطلب المزيد، مما يدخل الدّماغ بحلقة مفرغة تدعى الذّكرى الّتي تشعل الرّغبة من جديد دون توقّف.
كما أثبتت الدّراسات اعتماداً على fMRI أنّ الشّوق يحفّز المناطق الدّماغيّة نفسها الّتي تنشط عند التّعرّض لألم جسديّ حقيقيّ.
وكلّما زاد الغياب زاد إفراز الكورتيزول، وهو هرمون التّوتّر والإجهاد، ويُترجم على شكل غصّة في الحلق وضيق في الصّدر.
وعندما نشمّ رائحة عطر معيّن أو نسمع أغنية أو حتى نرى شيئاً، تحدث هجمة شوق؛ فقد تمّ استدعاء الدّوبامين المختزن بلحظتها.

فالشوق هو معركة بين السّيّالات العصبيّة، أو إشارة كهربائيّة مستمرّة تبحث عن مسار مغلق.
ننتقل من كيمياء الدّماغ إلى الفضاء الرّوحيّ والبعد الفلسفيّ، فيتحوّل الشّوق من اضطراب بيولوجيّ فسّره العلماء إلى أرقى وأسمى مراتب الوعي.
فالشّوق عند أفلاطون في فلسفته (نظريّة المُثل): الرّوح عاشت في عالم المُثل قبل أن تهبط إلى الجسد وأصيبت بالنّسيان، فعندما نشتاق فإنّ الرّوح اشتاقت إلى الأصل.

والجانب الصّوفيّ: يرى أنّ الشّوق ليس حزناً، بل هو إحساس عميق بوجود المحبوب الكائن بأعماقنا، وألمه ليس عقاباً، وإنّما هو ماء ثلجيّ يطهّر الرّوح من المادّيات ورغبة التّملّك الأنانيّة؛ فهذا الألم يجعل الرّوح نقيّة تكتفي بذاتها ووجود المحبوب كفكرة خالدة.
الفلسفة الوجوديّة: ترى أنّ الشّوق هو أصدق تعبير عن الحريّة والوعي الإنسانيّ، فالإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يتمكّن من الإحساس بالشّوق.
فالشّوق يثبت أنّ الإنسان يمتلك سعة وجوديّة تجعله حاضراً بقلبه وعقله في أماكن وأزمنة أخرى.
الرّوحانيّة الحديثة أو فلسفة الطّاقة: تعتبر أنّ الشّوق المفاجئ ليس مجرّد فكرة، بل هو ذبذبة طاقيّة، وأنّ الأرواح ترتبط ببعضها عبر حبال طاقيّة غير مرئيّة.

وحين يشتاق المرء يرسل موجة عبر هذه الحبال تصل للشّخص الآخر على شكل هجمة شوق غامضة مفاجئة، مما يعني أنّ الشّوق هو لغة متبادلة.
وفي بعض الفلسفات الأخرى يُرى الشّوق على أنّه الميزان بين الملل عند الامتلاك والألم عند الفقدان، فهو ما يبقينا على قيد الحياة ويمنع الموت الرّوحيّ، ويولّد قوّة لخلق شيء أعظم.
لماذا نشتاق؟ لماذا لا نريد التّخلّص من الشّوق رغم أنّه يوجعنا؟
الجواب الفلسفيّ الوحيد هو أنّه يحمينا من النّسيان، فالنّسيان يعني تلاشي الرّباط وموته، بينما الشّوق هو الضّمان للحفاظ على هذا الرّباط؛ فيرى الفلاسفة أنّه عند فقد شخص يبقى شبحه الجميل داخلنا، والشّوق هو الوسيلة الوحيدة ليبقى هذا الشّبح حيّاً.
لكنّ الجزء الأهم هو أن نكون واعين قادرين على التّعامل مع هذه المشاعر الفائضة، فالتّعبير عن الشّوق هو قمّة الضّعف الإنسانيّ النّبيل، إنّه اعتراف علنيّ بأنّ جزءاً منّا بحوزة شخص آخر.

وفي أغلب الأحيان يكون الشّوق أعمق وأعقد بكثير من لغات البشر، فيُترجم على شكل نوتة موسيقيّة، أو خاطرة أدبيّة، أو قصيدة، أو حتّى لوحة فنيّة.
فقد يكون الشّوق لأنفسنا في فترة قديمة، أو كيف كنّا مع ذاك الشّخص، وكيف كان مرآة عكست أجمل ما فينا، أو حتّى لمكان وزمان لا لأشخاص.
وختاماً، برأيي الشّوق هو ملحمة بين التّعوّد والانتظار، يجب أن نختبرها بكلّ وعي ونتعامل معها، لا أن نخجل منها، وأن نراها قوّةً وصدقاً لا ضعفاً.

وليس بالضرورة أن نعبّر عنه بكلمة “اشتقت”؛ فأبعاد هذه الكلمة عميقة وثمينة، ولها وقعها الخاصّ.