حين يغدو الإنسان غريبًا عن نفسه

يعبر الإنسان أحيانًا ما كان يظنه مستحيلًا، المسافة الفاصلة بين الأُنس المدّعى والوحشة الحقيقية، بين الطمأنينة المفخخة والحقيقة التي كانت تنتظر لحظة انكشافها.

يعيش طويلًا في منطقة رمادية، بين اللاشيء الذي أقنع نفسه بأنه يكفي، وبين الطاقة الكامنة التي أخفاها عن العالم وعن نفسه. لا يدري إن كان قد أخفاها عن سبق إصرار، أم بعفوية جُبل عليها حتى غدت جزءًا من تكوينه. يضيع بين تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، حتى يصبح التكلّف طبعه، والادعاء وسيلته الوحيدة للنجاة.

يبدو للآخرين غير مكترث، وكأن ما يُقال لا يعنيه. غير أن بعض الكلمات، مهما كانت عابرة، تضيق بها روحه لثوانٍ تكفي لتكشف هشاشته. يتوه نظره بين الجبال المنتصبة أمامه، ويقف تحت مطرٍ يختلط بدموع ظلّت طويلًا تأبى النزول، ثم ما تلبث أن تنهار دفعة واحدة، أجلت موعد سقوطها حتى لا يراها أحد، حاملةً معها الدموع والأحلام معًا. أحلامٌ كانت معلقة في مكان ما، فإذا بها تتناثر على الأرض، بلا ضجيج، وبلا شهود.

كل ما حدث كان من صنعه… وقد صنعه فعلًا.

لم يكن يقصد أن يصل إلى هذه النهاية، لكن الإنسان قد يشارك، من حيث لا يشعر، في بناء السجن الذي سيحبسه لاحقًا. وكل ما جرى ظل ينخر فيه ببطء، حتى وصل إلى عظمه النحيل ورأسه الذي أثقله السهر والأسئلة المؤجلة.

هذه التفاصيل وحدها كافية لأن تمنح وجهه سنوات إضافية من التعب، فيبدو أكبر من عمره بعقد أو أكثر. فالتجاعيد تولد من الحزن، والشيب تكتبه الليالي قبل أن يكتبه الزمن.

لا يرغب في أن ينتهي الليل.

الخوف مما ينتظره مع أول ضوء يكفي ليؤجل الصباح في قلبه.
الصباح الطي سيكون مضطرًا فيه إلى مواجهة غرفته المبعثرة، ومرآته الصامتة، ووجهه المثقل بكدمات الدموع وآثار الأرق. سيقف أمام نفسه دون قدرة على الاختباء ولا على التلوّن.
هذا كلّه حدث وربما يحدث الآن ومن المتحمل أنه سوف يحدث كل يوم ما إن غيّر وتغيّر وطهر نفسه من لوث البشر ولدغ ألسنتهم وطلقات بصرهم .

  • د/ علي مكسور.