الكبار جدًّا لا يخافون.. ولا يبكون 

كان هذا اعتقادي عندمَا كنتُ صغيرة، وأظنني كبرتُ الآن بِمَا فيه الكفاية ، كي أدرك الحقيقة. 

بمن نبدأ؟ 

حسنًا بأمي، كانت أمي تبكي وتتأثر بالنوازل والأخبار والمواقف لأنها بطبيعة الحال (امرأة)، لكنها امرأة صبورة جدًّا، وعندما كانت في مثل عمري الآن كانت قوية بما فيه الكفاية لتمسك بيدين اثنتين فقط

٣ أطفال تتقارب أعمارهم دون أن تتذمّر  أو  تشتكي أو تنهار.. أو رُبما هذا ما كنتُ أراه منها. 

وقد كان كافيًا أن نسبق أمومتها بياء النداء كي تهتم هي بأي أمر يخصّنا.  لكني لا أستطيع أن أنفي عنها صفة (الانهيار) بالكليّة، فقد انهارت أمي خلال حياتها بالطبع، عندما وقع أحد إخوتي على رأسه، وعندما مات جدي، وعندما تاه أخي الصغير وسط جموع لا نحصي عددها.

هذي هي أسباب انهيار أمي، لذا احتفظتْ برونقها في عينيّ كأم شجاعة وصبورة.. وحسبتُ أنني حينما أكبر سأكون مثلها، لكنّها أخفت عني الجانب الآخر. 

وحسبتُ أنني حينما أكبر سأكون مثلها، لكنّها أخفت عني الجانب الآخر. 

أبي حبيبي، لم يخطر على بالي أن هذا الرجل القوي المتماسك على الدوام كان يخاف من أمور كثيرة في الحياة مثلنا، إذ ما الذي يمكن أن يخيف الآباء، إنهم كبار جدًّا !

وكنتُ  أعتمد عليه  لدرجة لا توصف، فقد كان أبي يمسك بيدي لنقطع الشارع دون أن أنظر (أنا) للسيارات، يكفي أن ينظر (هو)، لأنّي أثق به وبكل الكبار. 

سامحني يا أبي.. إنني أفكّر الآن، كم مرة وضعتَ رأسك على الوسادة وأنتَ تفكر بقلق في هموم الغد؟ وكم مرة تألّمت ووقعت في مشكلة لم تظهر أثرها على ملامحك؟ 

يقفز إلى ذاكرتي 

سائق الباص في المدرسة، الذي كان ينتظرنا وسط قيظ الظهيرة، ونراه متذمّرًا في كثير من الأحيان. 

نجري ونلهو وننزل من الباص مرارًا وتكرارًا ويكتمل عددنا بأعجوبة، هل كان سائق باصنا كبيرًا جدًّا  بما  فيه  الكفاية كي يتحمل؟  نعم لقد كان كبيرًا، لكنّه كان يتعب ويتأثر من الحرارة، فالكبار بشرتهم ليست مطاطية، ويُصابون بضربة الشمس. 

تدخل معلمتي للصف..

تبدو حزينة اليوم وعاقدة لحاجبيها، هل هناك شيئًا يُغضب “الكبار جدًّا”؟ نضحك نحن ولا ندرك ما الذي يسكن خلف تلك العيون المنطفئة، إذ ما الذي يستعدي أن تغيب ابتسامة معلّمة في الثلاثين من عمرها؟ 

كبيرة.. كبيرة جدا جدا معلمتي، والحياة أيضًا كبيرة وفيها ما لم نتخيّله. 

ظننتُ حياة الكبار سهلة لأنهم يستطيعون فعل أشياء كثيرة لا أستطيعها أنا، وقد اعتقدتُ أنهم لا يخافون شيئًا في هذه الحياة. فمثلًا.. كنتُ حينما أرى كابوسًا أفزع لأمي وأبي وأنتظر بفارغ صبري أن أصير كبيرة مثلهما، لأنني اعتقدتُ أن الكبار لا يرون الكوابيس. 

لم أمحو بشريتهم، لكنّي لم أفهم أنهم يعانون بطريقة غير طريقتي..

لذا أبكي.. أبكي الآن لأنني لم أفهمهم في تلك اللحظات، فقد اعتبرتُ أجسادهم الكبيرة حصنًا منيعًا ضد الدموع والتفكير والفزع. 

انظر اليوم لحالي وأنا (كبيرة)، ولحال من هم في عمري

وأقول (نحن كبار جدًّا) لكننا نبكي ونخاف ونفكّر باستمرار.

الآن أفهم، أفهم أن أحزان الكبار مختلفة، وأنهم لا يصرخون جلبًا للتعاطف، ولا  ينامون  وسط صالة المنزل كعقاب حتى يحملهم شخص حنون في آخر الليل إلى فراشهم. 

فكم مرة يا تُرى كان هناك أزمة لا أفهمها أنا؟  لأنّي لم أكن أستوعب الأزمات. 

لا أريد أن أكمل هذه المدونة، لأن دموعي الآن لا تترك لي مجالًا للرؤية، فقط أريد أن أغفو وأحلم بنفسي الصغيرة تكتب على ورقة ملونة:

“اسمي الزهراء عمري ٨ أعوام أتمنى أن أكون كبيرة وشجاعة مثل أبي وأمي وعمتي منى وألا أخاف من شيء أبدًا”