زمن لم يُشبه سواه
زمنٌ لم نعشه لكننا نشعر أننا ننتمي إليه. نسمع حكايات الأهل عن السبعينات والثمانينات، عن الحارات القديمة، والبيوت المفتوحة، ولمّة العائلة، فنجد أنفسنا نتساءل كيف كانت الحياة يومها؟ ولماذا كلما سمعنا تفاصيلها تمنّينا لو كنا هناك؟
كانت السبعينات والثمانينات زمنًا مختلفًا بكل تفاصيله. لم تكن الحياة تملك هذا الكم الهائل من التكنولوجيا، ولم يكن الهاتف يرافق الإنسان في كل لحظة، ولم تكن مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من يومه. ومع ذلك، كانت الأيام مليئة بالحكايات، والناس أقرب إلى بعضهم البعض.
كان للحيّ مكانته الخاصة. الأطفال يخرجون من بيوتهم منذ الصباح، يلعبون في الشوارع والأزقة، ويعودون عندما يحلّ المساء. كانت الألعاب بسيطة، لكنها كانت تصنع فرحًا حقيقيًا… كرة القدم، الغميضة، الحبل، الدراجات، وألعاب اخترعها الأطفال بأنفسهم. ليس هناك شاشات تشغلهم، فكان خيالهم هو الشاشة، والشارع هو ملعبهم، والأصدقاء هم عالمهم.
وفي البيوت، كانت العائلة هي الحكاية الأكبر. جلسات المساء حول التلفاز، انتظار برنامج أو مسلسل يحبه الجميع، ورائحة القهوة والشاي في أرجاء المنزل. لم يكن كل فرد يعيش في عالم منفصل خلف شاشة، بل كانت العيون تلتقي، والأحاديث تطول، والضحكات تأتي من القلب.
وكان التراث حاضرًا في كل شيء؛ في الملابس الشعبية، في الأكلات التي تُحضّر على مهل، في الأعراس التي تجمع أهل الحارة والقرية، وفي الأغاني التي بقيت عالقة في الذاكرة. كانت المناسبات فرصة للناس كي يلتقوا، يتعاونوا، ويتشاركوا الفرح دون تكلف.
حتى المناسبات البسيطة كان لها طعم مختلف. زيارة الأقارب لم تكن تحتاج إلى موعد مسبق، والجيران يعرفون أخبار بعضهم، والضيف كان يُستقبل بالترحاب، والفنجان يُملأ قبل أن يُطلب. كان هناك شيء من البساطة يجعل العلاقات أكثر دفئًا، ويجعل للوقت قيمة أكبر.
ربما لم تكن تلك السنوات مثالية. كانت هناك صعوبات، وإمكانات محدودة، وأيام شاقة، لكن الجميل فيها أن الناس كانوا يعرفون كيف يصنعون الفرح من القليل. لم تكن السعادة مرتبطة بامتلاك أحدث هاتف أو سيارة أو سفر إلى مكان بعيد؛ كانت أحيانًا في جلسة عائلية، أو لعبة في الحارة، أو زيارة مفاجئة من شخص نحبه.
واليوم، يقف كثير من شبابنا أمام هذا الماضي بشعور غريب. نحن نعيش في زمن أسرع وأكثر تطورًا، نملك فيه ما لم يكن متاحًا لأجيال سابقة، ومع ذلك قد نشعر أحيانًا أننا نفتقد شيئًا لا نستطيع شراءه: الطمأنينة، البساطة، والوقت الحقيقي مع من نحب.
لذلك نقول أحيانًا: يا ليتنا كنا هناك… في روح ذلك الزمن؛ إلى ضحكة بلا كاميرا، وجلسة بلا هاتف، ولقاء لا يحتاج إلى إشعار، وذكريات لم تكن تُصنع من أجل النشر، بل كانت تُعاش بكل صدق.
ربما لا نستطيع العودة إلى السبعينات والثمانينات، لكننا نستطيع أن نحمل شيئًا منهما معنا. نحافظ على تراثنا، نسمع حكايات أهلنا، نطبخ أكلاتنا القديمة، نعلّم أبناءنا ألعاب زمان، ونمنح عائلاتنا وقتًا حقيقيًا بعيدًا عن الشاشات.
فبعض الأشياء لا يجب أن تبقى في الماضي…
بل يجب أن نعيدها إلى حياتنا. وهذا هو أجمل ما تركه لنا ذلك الزمن أن الحياة، مهما تطورت، تبقى أجمل عندما تعاش بتفاصيلها الدقيقة وتحتاج الى انه يكون فيها ناس، وذكريات، وقلوب تعرف معنى الحياة .
أسماء البري
